الجصاص

130

أحكام القرآن

" فإذا انقضت السنة لم تؤخذ منه " لأن دخول السنة الثانية يوجب جزية أخرى ، فإذا اجتمعتا سقطت إحداهما . وعن أبي يوسف ومحمد : " اجتماعهما لا يسقط إحداهما " . وجه قول أبي حنيفة أن الجزية واجبة على وجه العقوبة لإقامتهم على الكفر مع كونهم من أهل القتال وحق الأخذ فيها إلى الإمام ، فأشبهت الحدود ، إذ كانت مستحقة في الأصل على وجه العقوبة وحق الأخذ إلى الإمام ، فلما كان اجتماع الحدود من جنس واحد يوجب الاقتصار على واحد منهما مثل أن يزني مرارا أو يسرق مرارا ثم يرفع إلى الإمام فلا يجب إلا حد واحد بجميع الأفعال ، كذلك حكم الجزية إذ كانت مستحقة على وجه العقوبة بل هي أخف أمرا وأضعف حالا من الحدود ، لأنه لا خلاف بين أصحابنا أن إسلامه يسقطها ولا تسقط الحدود بالإسلام . فإن قيل : لما كان ذلك دينا وحقا في مال المسلمين لم يسقطه اجتماعه ، كالديون وخراج الأرضين . قيل له : خراج الأرضين ليس بصغار ولا عقوبة ، والدليل عليه أنه يؤخذ من المسلمين والجزية لا تؤخذ من مسلم . وقد روي نحو قول أبي حنيفة عن طاوس ، وروى ابن جريج عن سليمان الأحول عن طاوس قال : " إذا تداركت صدقات فلا تؤخذ الأولى كالجزية " . وقد اختلف الفقهاء في الذمي إذا أسلم وقد وجبت عليه جزية هل يؤخذ بها ؟ فقال أصحابنا : " لا يؤخذ " ، وهو قول مالك وعبيد الله بن الحسن . وقال ابن شبرمة والشافعي : " إذا أسلم في بعض السنة أخذ منه بحساب ذلك " . والدليل على أن الاسلام يسقط ما وجب من الجزية قوله تعالى : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ) إلى قوله : ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) ، فانتظمت هذه الآية الدلالة من وجهين على صحة ما قلنا ، أحدهما : الأمر بأخذ الجزية ممن يجب قتاله لإقامته على الكفر إن لم يؤدها ، ومتى أسلم لم يجب قتاله فلا جزية عليه . والوجه الثاني : قوله تعالى : ( عن يد وهم صاغرون ) فأمر بأخذها منهم على وجه الصغار والذلة ، وهذا المعنى معدوم بعد الاسلام إذ غير ممكن أخذها على هذا الوجه ، ومتى أخذناها على غير هذا الوجه لم تكن جزية لأن الجزية هي ما أخذ على وجه الصغار . وقد روى الثوري عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس على مسلم جزية " ، فنفى صلى الله عليه وسلم أخذها من المسلم ولم يفرق بين ما وجب عليه في حال الكفر وبين ما لم يجب بعد الاسلام ، فوجب بظاهر ذلك اسقاط الجزية عنه بالإسلام . ويدل على سقوطها أن الجزية والجزاء واحد ومعناه جزاء الإقامة على الكفر ممن كان من أهل القتال ، فمتى أسلم سقط عنه بالإسلام المجازاة على الكفر ، إذ غير جائز عقاب التائب في حال المهلة وبقاء التكليف ،